إنَّ الفرح بمولد النبي ﷺ نعمةٌ نشكر الله عليها، وأصلٌ كريم نعتز به ونفخر.
في زمنٍ تجرّأ فيه بعضُ المتعالمين على العلماء، وكثر فيه التطاول على أهل العلم، أصبح من الضروري بيان الحق والردّ العلمي على من يسعون إلى صرف المسلمين عن إحياء ذكرى مولد سيدنا محمد ﷺ، خير الخلق وأفضل الأنبياء، حتى كأنهم لم يجدوا من المنكرات ما يستحق الإنكار سوى الفرح بمولده الشريف!
يتسابق هؤلاء عبر صفحات الإنترنت ومنصاتهم في التحذير من الاحتفاء بالمولد النبوي، وينفّرون الناس من قراءة السيرة النبوية، وذكر شمائل الرسول ﷺ وفضائله وأوصافه ونسبه الشريف، بل يعترضون على إكرام الضيوف، وتزيين البيوت والساحات، وتوزيع الحلوى والعصائر بهذه المناسبة المباركة، حتى صاروا يصفون المولد النبوي بالبدعة والشر، وهو وصفٌ يجانب الإنصاف والتحقيق العلمي.
• أما قولهم إن الاحتفال بالمولد «بدعة سيئة»، فدعوى غير مسلَّمة؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَن سنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً…» الحديث. وقد قرر العلماء أن المحدثات ليست على مرتبة واحدة، بل منها ما يوافق أصول الشريعة ومقاصدها، ومنها ما يخالفها.
قال الإمام النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» إن البدعة تنقسم إلى حسنة وقبيحة، وذكر ابن عابدين الحنفي في «رد المحتار» أن منها ما يكون واجباً، كإقامة الأدلة وتعلُّم علوم العربية اللازمة لفهم النصوص. فليس كل أمرٍ لم يقع بصورته التنظيمية في العهد الأول محرَّماً بإطلاق.
• وأما استدلالهم بحديث: «كل بدعة ضلالة»، فلا بد من فهمه في ضوء مجموع النصوص وقواعد العموم والخصوص. فالمراد ما أُحدث مخالفاً لأصول الدين، لا كل صورة جديدة تندرج تحت أصل شرعي معتبر؛ وإلا لزم التعارض بين هذا الحديث وحديث «مَن سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة»، وهو ما لا يقول به عالم محقق.
• ووصف المحتفل بالمولد بأنه مردود العمل، آثم لا مأجور، مبالغةٌ غير مقبولة، وإساءةٌ إلى ملايين المسلمين الذين يقصدون بإحياء المولد تعظيم النبي ﷺ، وقراءة سيرته، والصلاة والسلام عليه، وإطعام الطعام، وإظهار الشكر لله تعالى على بعثته.
• والاختلاف في تحديد تاريخ مولده ﷺ لا يدل على تحريم الفرح به؛ فمحبته وتعظيمه مطلوبان في جميع أيام السنة، والثاني عشر من ربيع الأول واحدٌ منها. ومن رجَّح تاريخاً آخر فله أن يخصَّه بمزيد من الذكر والفرح، وأن يحدّث أهله وأبناءه عن قدوم النبي ﷺ، لما في ذلك من غرس محبته في الأجيال وربط الأطفال بسيرته وسنته.
• وقد نقل عن عدد من كبار العلماء، كالحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن دحية، والحافظ العراقي، والحافظ السخاوي، والحافظ السيوطي، والشيخ ابن حجر الهيتمي، القول بجواز الاحتفاء بالمولد إذا اشتمل على أعمال مشروعة وخلا من المحرَّمات. فلا يصح تجاهل أقوال هؤلاء الأئمة أو إخراجها من دائرة البحث العلمي المعتبر.
إن حاجتنا إلى إظهار محبتنا للنبي ﷺ، والتعريف بمولده وسيرته وشمائله، تزداد حين يظهر من يصدّ الناس عن هذه المعاني الجليلة. فمن أراد الحق دافع عن هذه النعمة والتزم حدود الشريعة، ومن أراد الجدل والتعصب أعرض عن الإنصاف والتحقيق.
وما علينا إلا البلاغ.
بقلم: محمد نورالدين الأزهري (دلهي الجديدة)